عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
81
معارج التفكر ودقائق التدبر
وشاع استعمال الرّسوّ والإرساء للدلالة على وصول السّفن إلى الميناء ، وإلقاء مراسيها لتثبت وتستقرّ . فدلّ استعمال لفظ : مُرْساها على معنيين ، هما : أيّان رسوّها ، وأيّان إرساء اللّه لها . وفي استعمال الرّسوّ والإرساء ، للدّلالة على وقت انتهاء مسيرة هذه الحياة الدّنيا ، استعارة قائمة على تشبيهها بالسفينة ، وتشبيه الزمن بالبحر ، وتشبيه انتهاء نظام هذه الحياة الدنيا وأحداثها بالرّسوّ في مرفأ هذا البحر الزّمني . والغرض الفكريّ من هذه الاستعارة الدّلالة على معنى فلسفيّ دقيق ، هو أنّ هذا النظام الكونيّ بتراتيبه وتصاريفه المتتابعة لحظة فلحظة ، وبالتغيرات المستمرّات اللواتي تجري فيه ، يشبه سفينة جارية في البحر ، لها في كلّ لحظة موقع وحركة جديدان دواما ، وأنّ هذا التجدّد لا ينتهي إلّا إذا قامت السّاعة ، وانتهى بقيامها كلّ هذا النظام ، كما تتوقّف السّفينة في الميناء ، وتلقي مراسيها ، وتثبت وتستقرّ عنده . فلم يكن استخدام هذه الاستعارة لمجرّد الإمتاع الفنّيّ بصورة بلاغيّة جماليّة ، بل اقترن به غرض فكريّ اشتمل على بيانات ذوات قيمة ، مع الإيجاز الشديد ، والاقتصاد في العبارة ، وهكذا شأن التشبيهات والاستعارات ، إذ تكفي فيها الكلمة الواحدة للدّلالة على معاني جمل كثيرة ، فهي تغني في الدلالة على معانيها ، مع ما فيها من جمال يسرّ المتفكّرين . فالعبارة القرآنية : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها بهذا الإيجاز الذي هو غاية في الاقتصاد في العبارة ، تحمل أبعادا فكريّة واسعة ، مع أنّ السؤال فيها مؤلف من لفظتين فقط : أَيَّانَ مُرْساها لكنّهما منتقاتان بدقّة فائقة . قول اللّه تعالى :